كمال الدين دميري

391

حياة الحيوان الكبرى

لعلكم تتذكرون فيه ، وتراجعون عقولكم . فأخذوا من بيوتهم نفقة ، وخرجوا إلى الكهف يعبدون اللَّه ، فأتبعهم كلب كان لهم ، وقال كعب : بل مروا بكلب ، فنبح بهم فطردوه ، فعاد فطردوه مرارا ، وهو يعود فقام الكلب على رجليه ورفع يديه إلى السماء ، كهيئة الداعي ونطق فقال : لا تخافوا مني فإني أحب أحباء اللَّه ، فناموا حتى أحرسكم . وقال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما : هربوا ليلا ، وكانوا سبعة ، فمروا براع معه كلب فأتبعهم على دينهم فجعلوا يعبدون اللَّه في الكهف ، وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم ، يقال له تمليخا ، فكان يبتاع لهم طعامهم من المدينة ، وكان من أجملهم وأجلدهم ، وكان إذا دخل المدينة لبس ثياب المساكين ، واشترى طعامهم وتجسس لهم الأخبار ، فلبثوا كذلك زمانا ، ثم أخبرهم تمليخا أن الملك يتطلبهم ، ففزعوا لذلك وحزنوا ، فبينما هم كذلك عند غروب الشمس ، يتحدثون ويتدارسون ، إذ ضرب اللَّه على آذانهم في الكهف ، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف ، فأصابه ما أصابهم ، فسمع الملك أنهم في جبل فألقى اللَّه في نفسه أن يأمر بالكهف فيسد عليهم ، حتى يموتوا جوعا وعطشا وهو يظنهم أيقاظا ، أراد اللَّه بذلك أن يكرمهم ، وأن يجعلهم آية لخلقه . وقد توفى اللَّه أرواحهم وفاة النوم ، والملائكة تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ، ثم عمد رجلان مؤمنان كانا في بيت الملك ، فكتبا شأن الفتية وأسماءهم وأنسابهم ، في لوح من رصاص ، وجعلاه في تابوت من نحاس ، وجعلاه في البنيان . وقال عبيد بن عمير : كان أصحاب الكهف فتية مطوقين مصورين ذوي ذوائب ، وكان معهم كلب صيد فخرجوا في عيد لهم وأخرجوا آلهتهم التي كانوا يعبدونها فقذف اللَّه في قلوبهم الإيمان ، وكان أحدهم وزير الملك ، فآمنوا وأخفى كل واحد منهم إيمانه عن صاحبه ، فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة ، ثم خرج آخر فرآه فظن أن يكون على مثل أمره ، وجاء من غير أن يظهر له ذلك ، ثم خرج الآخرون واحدا بعد واحد حتى اجتمعوا تحت الشجرة . فقال بعضهم لبعض : ما جمعكم ههنا ؟ ثم قالوا : ليخرج كل فتيين فيخلوا ثم يفش كل واحد منهما أمره إلى صاحبه ، فخرج فتيان فذكر كل واحد منهما لصاحبه أمره ، فأقبلا مستبشرين قد اتفقا على أمر واحد ، ثم فعلوا جميعا كذلك فإذا هم جميعا على الإيمان . فقال بعضهم لبعض : ائووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ، ويهييء لكم من أمركم مرفقا ، فدخلوا الكهف ومعهم كلبهم ، فناموا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا ، فلما لم يجدوهم كتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح : فلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم ، في شهر كذا في سنة كذا ، في مملكة فلان بن فلان . ووضعوا اللوح في خزانة الملك ، وقالوا : ليكونن لهذا شأن . وقال السدي : لما خرجوا ، مروا براع معه كلب ، فقال الراعي : إني أتبعكم على أن أعبد اللَّه معكم ، قالوا : سر فسار معهم ، وتبعهم الكلب فقالوا : يا راعي هذا الكلب ينبح علينا ، وينبه بنا فما لنا به من حاجة . فطردوه فأبى إلا أن يلحق بهم ، فرجموه فرفع يديه كالداعي ، وأنطقه اللَّه تعالى فقال : يا قوم لم تطردونني لم تضربونني لم ترجمونني ؟ فو اللَّه لقد عرفت اللَّه قبل أن